Saturday, December 7, 2013

مهرجان أزدراء الأديان

(مقال بتاريخ 30 سبتمبر 2012)

حتي الأن لا يستطيع عقلي المتواضع ان يفهم ما معني تهمة ازدراء الأديان؟؟ فالأنسان حر فيما يقدس و فيما لا يقدس !!! حتي الأيمان بقي بقانون !!!!!!!!!!

فأنا لست سعيدا بمحاكمة أبو اسلام بتهمة أزدراء المسيحية و بالطيع ضد محاكمة ألبير صابر بتهمة أزدراء الأسلام ... فهناك شئ أسمه حرية عقيدة بمعني أن الأنسان له الحق في اعتقاد ما يشاء فمن حق المصريين مثل باقي البشر أن يعتقدوا فيما يشاؤون و ليس فيما يعتقد الحزب الحاكم أو فيما يعتقد غالبية مواطني الدولة المصرية ..... من حقك أن تؤمن بالله و من حقي أن أؤمن أنه خرافة من حقك أن تري المسيح مخلص البشرية و من حقي أن أري انه ليس كذلك من حقك أن تري محمد رسول الله و من حقي أن أري أنه ليس كذلك .... هذا هو معني حرية العقيدة ... لا يعني ذلك أنني أشجع فعل أبو اسلام و لكني في ذات الوقت أري أن تهمة ازدراء الأديان هي مقبرة لحرية الفكر و حرية العقيدة و شيئا فشيئا سيصبح أدني انتقاد لأي شئ يمت للدين او حتي لرجال الدين او حتي للسياسيين الذين يختبؤون وراء عبائة الدين هو أزدراء للأديان و بالتالي فأن الحريات سيتم وأدها بأسم حماية الدين و حماية الله من الأهانة؟؟  

عزيزي القارئ دعني أصارحك و أفاجئك عمليا لا يوجد شئ أسمه أزدراء .... الحقيقة أن ما يحدث هو ان مجموعة من البشر تقدس شخص أو شئ و تحاول فرض هذة القدسية علي الأخرين بالقوة سواء المادية او المعنوية ... و عندا يبدأ عقل جرئ في أزالة القدسية عن هذا الشئ أو الشخص و ينقده بحرية تبدأ هذة المجموعة في أستعراض عضلاتها حتي تجبر الأخرين علي تقديس هذا الشئ أو الشخص. لا يعني ذلك أنني اتفق مع كل نقد يقدم في الأديان و لكني يعني انني أؤمن و أدعم بكل قوتي حق اي أنسان في أن يؤمن أو لا يؤمن بأي دين ... يعني أنني أدعم حق أي أنسان في نقد دينه أو أي دين أخر ... نعم أنني أري أنه من الأكثر كياسة أن ينقد الأنسان معتقدات الأخرين بحساسية لمشاعرهم و لكن من قال أن هؤلاء من يطالبون الأخرين بأحترام معتقداتهم يتصرفون بأدب مع من يتجرأون علي النقد!!

دعنا يا عزيزي نحاول نفهم هذة المعضلة و نقترب منها بهدوء، أولا : المقدس عند صاحبه هو شخص أو شئ ما فوق النقد و غالبا ما يرتبط بمفهوم ديني يؤمن به المتدين بغض النظر عن مدي أتفاقه مع العقل أو المنطق... فمثلا المسيحي يؤمن أن المسيح هو الله بينما يؤمن المسلمين أن المسيح هو نبي .... و بمثال أخر فأن المسلمين الأوائل عندما خرجوا في جيوش الي دول شمال أفريقيا سموا ذلك فتحا و بالتالي فأن المسلمين حول العالم يستخدمون كلمة فتح بينما سمي الأخرين نفس الفعل بأنه غزوا و ليس فتح ... و هذة هي نسبية الأعتقاد بمعني ان ما تؤمن أنت به علي انه حقيقة مطلقة ربما يراه الأخر بطريقة أخري و هذة هي طبيعة البشر أنهم مختلفون، والحقيقة أن المشكلة ليست في الأختلاف و أنما في عدم تقبل الأختلاف كأحد سنن الحياة و هنا تبدا الأزمة!

الكارثة تكمن في أن بعض المؤمنين يروون أنه لا يجوز أن يعبر أي شخص أخر عن أعتقاده المخالف لأعتقادهم و أن أقصي حرية يمكن أن يمنحها المجتمع لشخص يؤمن بغير ما تؤمن به الجماعة هو أن يغير أعتقاده دون أن يتفوه او حتي يعلن عن ذلك أما أذا أعلن ذلك فهو فاسد و مفسد ويجب قتله أو سجنه!! هكذا يفكر رئيس مصر المخروسة (كما صرح في أحدي البرامج أثناء حملته الأنتخابية)... أيوه المخروسة مش غلطة املائية و لا حاجة ... المخروسة من الخوف و الرعب ...المخروسة من قوانين ازدراء الأديان ... المخروسة من العنصرية التي أصبحت نكهة العصر!

كلما فتحت الجرائد المصرية وجدت شخصا متهما بأزدراء الأديان من عادل امام الي ألبير صابر ... من أبو أسلام الي نجيب ساويرس... فنانين و سياسيين، مشاهير و مغمورين ... الكل سواسية في الهم و القمع ... عادل امام عمل فيلم الأرهابي أذن فهو مزدري للأديان (مؤخرا تم تبرئته و لكني كما قلت لا أفهم هذة التهمة العجيبة) ألبير صابر نقد الأديان فهو مزدري للأديان ... أبو أسلام حرق الأنجيل فهو مزدري للأديان ( و هو أصلا يؤمن أن الأنجيل تم تحريفه و ما حرقه ليس كتاب من الله !!) حتي نجيب سايروس عمل شير لصورة علي توتير فأصبح مزدري للأديان ... أنه مهرجان أزدراء الأديان يا عزيزي ...

فكل من هو ليس مسلم سني و عبر عن معتقداته فانه مزدري للأسلام و مكانه السجن و ربما القتل ... فالبهائيين مرتدين و يجب قتلهم و اللادينيين كذلك أيضا بالرغم من الأختلاف الواسع في المعتقدات بل و الأدهي أن حتي المسلمين من غير السنة معرضين لنفس التهمة فالشيعة يتعرضون لأتهامات مشابهة و القرانيين كذلك!! كما قلت لك يا عزيزي أنه مهرجان الأزدراء ... ففي مصر الفئة الوحيدة التي من حقها الترويج و الدعاية لمعتقداتها هي المسلمين السنة ... فتخيل لو أن قس مسيحي خرج في الشارع ووقف ببعض الأناجيل في الشارع ليكلم المارة عن الديانة المسيحية لقامت الدنيا و هاجت و ماجت!! و مش بعيد نلاقي هذا القس المسكين مضروب من مجموعة من المسلمين الشرفاء زي المواطنين الشرفاء اللي كانوا بيقبضوا علي الثوار !! علما بأن المسلمين عندما يعيشون في دول الغرب ذات الأغلبية المسيحية يبشرون بالأسلام بحرية كاملة!!
أليس من حق المسلم السني ان يصير شيعيا ؟؟ أليس من حقه ان ينكر الأسلام؟؟ أليس من حق البهائي أن يتحدث عن ديانته أو علي الأقل يطلع بطاقة ؟؟ أليس من حق المسيحيين أن يدعوا الأخرين للمسيحية؟ كل هذة حقوق انسانية مشروعة معترف بها في العالم الحر المتحضر و لكننا لا نتحدث أبدا عن هذة الحقوق بل و نحيا علي قنبلة موقوتة من الأحتقانات الطائفية تنفجر في وجهنا علي اتفه الأسباب ... يحكمنا رئيس يأسس لدولة دينية شمولية تفرق بين مواطنيها.. تجرم حرية الأعتقاد و تضع أزدراء الأديان سيفا علي رقبة الحرية!

ماهر جبره 
سبتمبر 2012 
واشنطن 

الجنس و المرأة و المجتمع المحافظ ......

الجنس و المرأة و المجتمع المحافظ .............

الدفاع عن الفضيلة!!!!!!!!!!!!

(مقال بتاريخ 16 يناير 2009)


ما هو المجتمع المحافظ؟ هو ذلك المجتمع الذي تحكمه و تتحكم فيه أعراف و تقاليد أجتماعية بحجة الحفاظ علي الأخلاق و المبادئ، مجتمع يمتلك أي شخص فيه حقا مزيفا للتطفل علي الحياة الشخصية للأخرين بحجة تحقيق الفضيلة و تجنب الرذيلة، حقا مكتسبا من سلطة أجتماعية قامعة تبني شرعيتها علي جثث الحريات الفردية متذرعة بواجب قومي وهمي وهو التحكم في سلوكيات أفراد المجتمع لينعم بالقداسة و الفضيلة. وحقيقة الأمر أن هذا المجتمع هو مجتمع مريض بأمراض أجتماعية عديدة منها الأنكار و التسلط و الكبت و أهمها غياب العدالة، هو مجتمع غير ناضج لا يعي كيف يتعامل مع واقع الحياة فيدفن رأسه في الرمال حتي لا يري المشكلة.
أما الجنس فهو ذلك الأحتياج العميق جدا الي الحب و التلاقي روحا و جسدا، هو الأحتياج للمسة الحانية و هو الأحتياج للتفهم العميق ، هو الأحتياج للحضن الدافئ و هو الأحتياج لمتعة الأخذ و روعة العطاء، و هو علاقة تعبر عن أحتياج الكيان الأنساني للأتحاد بأخر و الشوق و اللهفة اللذان لا ينطفائان للحظات من العذوبة و الدفء نتاج هذا الأتحاد.
و العلاقات كما أدركها تتمايز الي نوعين، علاقات سلطوية مبنية علي أن يسيطر طرف علي أخر، طرف أقوي و طرف أضعف و أخري تكافؤية مبنية علي التكافؤ و المساوة في الحقوق و الواجبات و لا يوجد فيها أضعف و اقوي بل فيها نديين، و بما أن الجنس علاقة فلابد لها أن تأخذ شكل من الأثنين.
و بما أن المجتمعات المحافظة تخشي الحرية و دائما ما تربط بين الحرية و الأنحلال و بين التقييد و الفضيلة، لذلك أختارت المجتمعات المحافظة أن تتعامل مع الجنس بالتقييد حتي تضمن الفضيلة الظاهرية بالطبع و التي تخفي ورائها الكثير و الكثير من مظاهر الظلم البين و الجلي.
أما المرأة فهي الطرف الذي قررت المجتمعات المحافظة أن عليه أن يدفع الثمن، فلابد علي طرف أن يخنع حتي تستقر العلاقة السلطوية، تدفع الثمن من حريتها و من أنسانيتها، من كونها راشدة تمتلك زمام حياتها الي كيان تحت الوصاية حتي في الأربعين من عمرها، من كونها كيان قائم بذاته و ليست مجرد تابع لأنسان أخر كل ما يميزه هو أمتلاكه لعضو ذكري، من كونها أنسانة تمتلك كل ملكات الأنتاج المهني بكافة صوره الي مجرد زوجة و أم، أن الذكر في هذة المجتمعات سلب المرأة الكثير و الكثير من حقوقها و أعطي لنفسه في المقابل حقوقا لا يستحقها بحجة الدفاع عن الفضيلة.
و هذة المجتمعات التي تدعي الفضيلة، هي مجتمعات تمارس ظلم منهجي و أنتهاك منظم للمرأة
فمن البداية و هي طفلة تتلي عليها التعليمات العسكرية ما تتضحكش بصوت عالي، ما تلعبش كتير مع ولاد، ما تعليش صوتك، أتكلمي بأدب البنت المؤدبة لازم صوتها يكون واطي و كأن حتي الغضب و الأنفعال أمر غير مشروع.
و قبل ان تصير فتاة تخضع لعملية أقل ما يقال عنها أن قذرة و وحشية لبتر جزء من جهازها الجنسي برضة بحجة الدفاع عن الفضيلة و بالطريقة الشنيعة ده تتعرف المخلوقة الغلبانة ده علي المدعوق الجنس في لقاء لا يتميز الأ بالصراخ و الدم و الصدمة النفسية اللي غالبا ما ترتبط في نفسها بالجنس لاحقا.
و لما تدخل المراهقة و ينضج جسدها و تظهر عليها علامات الأنوثة تبدأ معها المراقبة العسكرية و يا سلام بقي لو ليها أخ ذكر يمارس كل عقده النفسية و يطلع كبته من الدين و الدنيا عليها و طبعا المجتمع سيشيد به و يأمرها أكتر بالطاعة و الخضوع.
و تيجي تدخل الجامعة تتحدد و تتحجم أختياراتها و غالبا تمنع من السفر لكلية في العاصمة مثلا، ما هو يعني أزاي تعيش لوحدها من غير ما يبقي في راجل يراقب سلوكها و يتحكم فيها.
و الطامة الكبري لما تتخرج، تبدأ الأسرة فورا في البحث عن أي ذكر و تعمل جاهدة علي شنكلته علشان الجواز سترة، أو بمعني أخر الزواج هو الشكل الأجتماعي الوحيد المقبول من المجتمع للفتاة فالحياة أصلا للرجالة و الستات أتخلقوا علشان يبغددوا و يدلعوا الرجالة و بالتالي يعني ايه بنت تقعد لسن خمسة و عشرين و لا تلاتين من غير جواز، و ده طبعا يدي الحق للبواب و بتاع العيش و المكوجي أنهم يسألوا في السر أو في العلن ليه لحد دلوقتي لم يتم أدخال هذة الأنثي و التي هي خطر فاضح علي المجتمع تحت وصاية ذكر.
وبما أن المجتمع قرر أن تلعب الأنثي دور الطرف الضعيف في العلاقة السلطوية بينها و بين الذكر، لذلك فهي دائما الملومة فلو مارست الجنس خارج الزواج تتفضح و لو امكن تتدبح، (أحصائيا عدة الاف من النساء سنويا يتم قتلهم في الوطن العربي تحت مسمي جرائم الشرف) أما هو فله الفخر فهو الواد المخلّص، وهكذا تتحول العلاقة بين الراجل و الست الي علاقة صياد بفريسته، و لو تم أغتصابها يبقي أكيد كانت لابسة لبس خليع و هي السبب اللي حركت غريزة الحيوان اللي أغتصبها و حيوان هنا ليست شتيمة و أنما هي الوصف الأدق للكائن الفاقد السيطرة تماما علي غرائزه.
و لما تتجوز تفقد ملكيتها لجسدها ( ما هو اللي عامل مشاكل من الأول) و حتي لو أغتصبها جوزها يبقي حقه ما هو جسدها ده أصلا ملكه، فضلا عن أنها موجودة لأشباعه جنسيا ، مش أن هما الأتنين موجودين لأشباع بعض، و بعدين هو يعمل اللي هو عايزه في السرير لأنه الزوج صاحب الحقوق المقدسة مهما كان شاذ أو غريب وبغض النظر عن رضاها من عدمه أنما هي لو عبرت عن أحتياجها لشئ معين منه تبقي ست عينيها مفتوحة و مش متربية و طبعا ده ممكن يخليه يشك في أخلاقها و ماضيها.
و لو طلع راجل عصبي و لا بخيل و لا عنيف لازم تستحمله مش هو راجلها و لو طلبت الطلاق يطلع عينيها و لو أتطلقت يبدأ المجتمع الشريف الطاهر في ممارسة كافة أشكال الوصم و التمييز ضدها فأزاي يعني نسيبها من غير راجل يلمها و يحمينا من شرها و فتنتها.
وده طبعا فضلا عن التمييز في العمل و التمثيل في الحياة العامة، بمعني عندنا كام وزيرة و لا كام عضوة في البرلمان و هل ممكن تترشح واحدة ست للرئاسة؟!!!!.

أه يا مجتمع فاسد يدعي الشرف و يذبح الضعيف، أه يا قلبي الموجوع علي مجتمع قدس الظلم و آله التمييز.
كام ست عملت خدها مداس و عاشت طول عمرها تتضرب من جوزها سبع البرمبة علشان لو أتطلقت المجتمع هينهشها.
كام ست سكتت و كتمت في قلبها أحساسها بالأهانة من كلب أتحرش بيها في الضلمة لأنها لو أتكلمت المجتمع هيدبحها و برضه تحت مسمي الفضيلة.
كام ست كانت ممكن تبقي عالمة أو مخترعة و قعدت في البيت بالغصب و الضرب و مالقيتاش اللي يدافع عنها و يساندها في مجتمع ذكوري ظالم.
كام ست كانت ليلة دخلتها عملية أغتصاب كاملة من راجل مكبوت أو مريض و أتحرمت حتي من الكلام عن وجعها لأنه عيب.
كام ست جوزها راماها و أتجوز عليها أتنيت و تلاتة و عاشت تطالبه في حقها في ربع راجل و أمعن هو في أذلالها.
كام ست صرخت لسنين في الكنايس اللي رافضة الطلاق و طلقوها بعد ما راح شبابها أو سابوها متعلقة.
كام ست عانت من تحرشات و أنتهاكات من مديرها و لا من صاحب المصنع اللي أستغل فقرها و حماية المجتمع له لأنه بس ذكر و مقدرتش تتكلم.
كام ست عانت بدون رضاها من ممارسات جنسية شاذة و يمكن سادية من جوزها.
كام ست أتقتلت لمجرد الشك في سلوكها و الجريمة أتطبخت و الراجل طلع برئ و يمكن بطل.

في النهاية بصفتي رجل حاسس أني مديون للنساء كلهن بأعتذار عن ما بدر من أبناء جنسي من أسوأ أستغلال لمعني و قيمة الرجولة لفرض السلطة و الهيمنة الذكرية عليهن من فجر التاريخ و حتي الأن حتي لو ماشاركتش في ده أنا شخصيا.





عن الكفر أتحدث

(مقال كتبته يوم تفجير كنيسة القديسين بتاريخ 3 يناير 2011)

نعم عن الكفر وعدم الأيمان والألحاد أتحدث.. نعم في وسط هذة الظروف المليئة بالحزن و الغضب و التوتر أتحدث عن هذا الأمر الشائك الذي طالما دفننا رؤوسنا في الرمال تجاهه وتجاهلناه.. أتحدث اليوم عن المواطنة و منبع شرعية الحقوق و عن حرية العقيدة، حرية الأيمان او عدم الأيمان، حرية التنقل من دين الي دين. و لكن بداية و جب التنويه أن أرائي ستصدمك فأنك كنت لا تتحمل الأراء الصادمة فأدعوك الا تكمل القراءة و أن تدعني أعبر عن وجهة نظري.

الكل حزين في مصر بعد ما حدث في كنيسة القديسين بمنطقة سيدي بشر بالأسكندرية ليلة رأس السنة الميلادية لعام 2011. أنفجار مدوي راح ضحيته 21 أنسان غير عشرات المصابين و أكرر أنسان قبل أن يكون مسيحي او حتي مصري. الجميع يدين و يشجب و يكرر هذا عمل دنئ .. هذا عمل شنيع.. و كأنهم يقولوا شئ خارق أو أكتشاف علمي. ولكنهم في الأصل ينفضوا عن أنفسهم مسؤلية الحادث. و الحقيقة يا سادة ان ما حدث ليلة رأس السنة لم يكن أمر طارئ أو شاذا علي ثقافة المصريين كما قال رئيس الجمهورية في خطابه في اليوم التالي للحادث. و أنما هو أمر أصيل في ثقافة المصريين. فالمصريين أضحوا من أقل شعوب الأرض قبولا للأخر. حتي أن الأخر يعّرف في مصر علي أنه المسيحي. و كأن المصريين يقرون ضمنيا بأنه لا وجود بالمرة الا للمسلمين و المسيحيين في مصر و ربما علي وجه الأرض و هو ما ينافي الحقيقة!! أن الحوادث الطائفية ضد الأقباط في مصر أصبحت أمر يثير الملل قبل المرارة لأي متابع حقيقي للملف القبطي. فالأحداث تتكرر بشكل ممل و سخيف جدا. بل تدور داخل دورة و كأنها دورة حياة للعنف الطائفي يمكن بسهولة دراستها و التنبؤ بها، و لذا فأن أدانة الحادث ليست الا تعبير سطحي ساذج عن تبرئة الفعلة الحقيقيين من فعلتهم. و في الحقيقة عندما أتحدث عن الفعلة الحقيقيين لا أقصد هؤلاء من دبروا للحادث الأرهابي و أنما أقصد هؤلاء من صاغوا المناخ الفكري و السياسي و الأجتماعي المهيئ لحدوث هذة الأحداث و تكرراها الي أمد لا ينتهي. فالكل مسئول و جاني في هذا الحادث و علي رأسهم الأقباط.

الدولة مسئولة و الداخلية مسئولة و القضاء مسئول و البابا شنوده مسئول و وزير الأعلام مسئول، ووزير الثقافة وأيضا وزير التعليم و المؤسسات الدينية الأسلامية و المسيحية مسئولة. فالأرهاب ليس وليد لحظة و أنما هو صناعة تحتاج الي سنوات من التعليم العفن و الردئ و الأعلام الأقصائي الموجه و الثقافة المبتورة و المشوهة و التاريخ المزيف. بل و يحتاج أيضا الي جاني و الي مجني عليه و الي فلسفة تبيح للجاني جنايته و الي فلسفة تبيح للمجني عليه تحمله الغير مبرر و الغير عقلاتي للجاني و أفعاله المدمرة. أنها سلسلة معقدة يا عزيزي و ليست وليدة لحظة أو مجرد خطأ أمني!!

فعلي سبيل المثال ففي السنة الماضية و في ليلة عيد الميلاد تم سرقة فرحة الأقباط بالعيد، عندما قتل 6 منهم و معهم الحارس المصري في نجع حمادي و لكن قاتلهم لم يعاقب بعد!! و لكن الدولة لم تكتفي بهذا بل أن عبد الرحيم الغول و الذي قيل عنه أنه كان وراء هذا الحادث الأجرامي تم أنتخابه مرة أخري كنائب عن الحزب الوطني في نفس الدائرة التي مات فيها الأقباط. بل و المفارقة العجيبة أن البابا شنوده أعلن تأييده الصريح لبعض رموز الحزب الوطني مثل الدكتور مفيد شهاب في اللحظة التي شعر فيها الأقباط أن الحزب الوطني متوطأ ضدهم. و لكن هل من مبرر لموقف البابا السياسي في دعمه لرموز الحزب الوطني و دعمه لمبارك وولده جمال في ظل كل العنف الممنهج الذي يتعرض له الأقباط علي مدار عقود دون أي تقدم في هذا الملف!!
نعم الدولة مسئولة لأنها لا ترغب في تطبيق القانون في حوادث العنف الطائفي و نعم الكنيسة مسؤلة لأنها تقبل بالحلول الوسطية التي أثبتت فشلها بشدة و تهادن و تقايض علي حقوق الأقباط مستخدمة كارت ولائهم السياسي! يا له من شئ مخجل! و نعم الأقباط مسؤلون لأنهم أعتادوا المهادنة و التخاذل و عدم النضال من اجل حقوقهم. فعلي مر التاريخ كانت جلسات الصلح العرفية هي المسكن الذي أستخدمته الدولة و قبلته الكنيسة بعد كل حادث طائفي علي مدارعقود طويلة. فالدولة تخلت عن القانون و الأقباط  قبلوا هذا الوضع و سلموا بالجلسات العرفية لسنوات.

و من زاوية اخري فأن التعليم الذي يروج للثقافة الأحادية و الذي أقرعلينا و أنا في المرحلة الثانوية في مادة اللغة العربية قصة عقبة بن نافع و كيف كان يغزو الدول المحيطة بحجة نشر الأسلام و كيف أن ثقافة الغزو مبررة طالما بدافع ديني لا يجوز أن نتجاهل دوره فيما يحدث الأن. كما أن الأعلام الذي يتيح مساحات هائلة لرجال الدين الأسلامي دون أن يتيح فرص حقيقية لدعاة المواطنة و العلمانية لهو مسئول بشكل مباشر عن الأرهاب و العنف الطائفي. أن صناعة الفكر هي أهم ما يمهد الي الأرهاب. فالأرهاب هو في الأصل ثقافة قبل يتحول الي ممارسة.

و لن أبالغ حين أقول أن المصريين في هذة الفترة من الزمان صاروا قنابل موقوتة، و صارت أدمغتهم مليئة بالتعصب و الأقصاء و العنف. نعم المصريين في معظمهم لا يقبلون الأخر. و لعل من الضروري أن أوضح ما هو معني الأخر، فالأخر هو كل من يختلف معي في الفكر أو العقيدة أو حتي التوجه السياسي أو الكروي. و قبول الأخر يعني قبول المختلف يغض النظر عن أتفاقي أو أختلافي مع معتقداته طالما أن معتقداته لا تحثه علي أيذائي. و المصريين الذين تشبعوا الي النهاية بثقافة الدين الواحد و الفكر الواحد و الرأي الواحد لم يخرجوا في مظاهرات لأدانة حادث حرق بيوت البهائيين في مارس 2009 بل خرجوا في مئات و ربما الوف يدينوا التعصب الأعمي في المانيا حين قتلت مسلمة واحدة وهي الدكتورة مروة الشربيني. فكيف نهيج و نميج لمقتل انسانة و نقبل ببساطة حرق بيوت عشرات المصريين الأمنيين و طردهم الي الشوراع و محاولة قتلهم علانية!!

نعم الكل مسئول بل و الأديان بذاتها مسئولة. ففكرة تكفير الأخرين الذين لا يؤمنون بأيماننا هي المبرر الفكري الرئيس لثقافة الجهاد و القتل و الأرهاب. فعندما قتل المفكر فرج فودة في التسعينييات؟ تم سؤال قاتله... لماذا قتلته؟ فقال لأنه كافر فسأله القاضي مرة أخري من اي كتا ب من كتبه عرفت أنه كافر؟ فقال أنني لا أعرف القراءة!! و هنا لابد علينا أن نتوقف قليلا... فكلمة كافر كانت كفيلة أن تجعل شخص بسيط مثل هذا لا يعرف القراءة و الكتابة و لا هو مفكر أو كاتب أو حتي قارئ أو متابع للأعمال الفكرية لفرج فوده أن ينقض عليه و يقتله و ذلك فقط بدعوي أنه كافر.

و لماذا يري المصريين الكافر بهذا السوء؟ و لماذا كل هذا الخوف منه؟؟ ببساطة الكافر بهذا السوء لأن الكتب المقدسة نعتت الكفار بأسوأ الصفات و كأنهم ليسوا بشرا. فعندما كنت أقرأ الأصحاحات الأولي من سفر رسالة بولس الرسول الي أهل رومية وجدت وصف للكفار أو غير المؤمنين و كأنهم ليسوا بشر. وصف يضع فيهم كل الصفات السيئة في الوجود. و كأن المتدنيين و أديانهم أحتكروا الأخلاق و أصبحت الأخلاق حكرا عليهم و كل من لا يؤمن بأديانهم فهو بالضرورة شخص غير أخلاقي و يشكل خطر داهم علي مجتمعاهم المقدسة و لذا وجب حماية مجتمعاتهم المقدسة منهم حتي و لو وصل الأمر الي حد قتلهم و انتهاك أقدس حق أنساني في الوجود و هو الحق في الحياة. فأذا كان بعض شيوخ الأسلام يحرضون علي كراهية المسيحييين، و هذة حقيقة علينا أن نواجهه شجاعة. فأن كثيرا من النصوص الدينية في الكتب الدينية حرضت علي نبذ غير المؤمنيين بها. فنفس المسيحية التي تشتكي الأضطهاد الأن هي التي قالت أية شركة للنور مع الظلمة و أيه خلطة للبر مع الأثم في أشارة الي المؤمنيين و غير المؤمنيين!! كما أن الأسلام و اليهودية لا يختلفان في منهجية نبذ الكفار وغير المؤمنين و وضعهم في مرتبة أدني من المؤمنيين في شئ.

و اللافت للأنتباه هو  أننا كلنا كفار من وجهة نظر معينة، فالكافر هو من لا يؤمن بأيمان معين و بالتالي كلنا كفار. فالميسحي أو اليهودي او البهائي او البوذي الذي لا يعترف بمحمد كرسول لله هو كافر من وجهة الأسلام و المسلم أو اليهودي او الهندوسي اللاديني أو الأنساني الذي لا يعترف بألوهيته المسيح و تجسده و صلبه و موته و قيامته من الموات هو أيضا كافر من وجهة نظر المسيحية.

فيا سادة أن ظللنا نقيم شركائنا في الوطن من خلال الكتب المقدسة فلن ينتهي بنا الأمر الي فريقين واحد مؤمن و الأخر كافر أو واحد نور و الأخر ظلمة أو واحد بر و الأخر أثم و هذة هي بداية التمييز و هي نفسها أول رصاصة في جسد المواطنة و الشراكة في الوطن.


الأنسان هو المشكلة ... الأنسان هو الحل و حريته هي السبيل.

  ماجد ماهر جبره
القاهرة في 3 يناير2011

عن صراع الواقعية والمثالية حيال الأزمة المصرية



أنقسم معسكر الثوريين والتنويرين والمفكرين بعد 30 يونيو الي فريقين. فريق يري نفسه ينتصر للمبادئ وللثورة ويلقي بعاتق التعامل مع الواقع علي الفريق الأخر بينما يتفرغ هو لرفع سقف المطالب والتأكيد على الحاجة الي الحلول الراديكالية وعدم قبول أي مساومات من أي درجة. والأخر يحاول أن يتمسك بحلم الثورة بأصرار وعند لا يتغافل عن مدي تعقيد اللحظة الراهنة ومدي خطورتها.

وبهدف تبسيط الفكرة فقط سأطلق على الفريقين في هذا المقال الراديكالي والواقعي. يري الفريق الراديكالي أن أي مساومات هي موت لحلم الثورة وتنازل عنها. بل وأحيانا ما يصف بعض أعضاء الفريق الراديكالي الفريق الواقعي بأنه خان الثورة بل وتمتد الاتهامات الي ما هو أصعب من حيث الموالاة للحكم العسكري (لحس البيادة) والانتماء الخفي الي نظام مبارك.


بينما يري الفريق الواقعي أن الراديكاليين يتجاهلون النظر الي الصورة ككل ويتجاهلون الأخطار الغير مسبوقة التي تمر بها الدولة المصرية و المجتمع المصري. ويتناسون حجم الضغوط الاقتصادية علي الدولة وعلي المواطنين وبالأخص ملايين الفقراء الذين ملوا تماما من برامج التوك شو التي تناقش رفاهيات بالنسبة إليهم. يري أيضا الفريق الواقعي أن التفاوض وقبول المساومات شيء لا مفر منه للخروج من الأزمة الراهنة وأنه الشيء الوحيد الذي يحول دون تفكك الدولة المصرية وربما اندلاع حرب أهلية تقضي علي الأخضر واليابس وكل مظاهر الحياة والتقدم. وحيث أن الفريقين في الأصل هم من نادوا بالتغيير و تشاركوا الحلم من منذ سنوات كان فيها التظاهر ولو بأعداد لا تتجاوز الخمسين امرا شبه معجزيا. وحيث أن الفريقين في الأصل هم من معسكر واحد لذا وجب محاولة 
.تقريب وجهات النظر لأن انقسام جبهة الثوار سيضر بالثورة قبل أي شيء أخر

ففي لحظة يصطف المجتمع كله ليواجه كل يوم عمليات إرهابية تحصد من أرواح أبنائه سواء من الجيش أو الشرطة أو المواطنين العزل او حتى من الأطفال يصرخ الفريق الأول أن الأولوية ينبغي أن تظل دائما محاربة تسلط الدولة بل ان الأكثر تطرفا داخل هذا المعسكر (اقصد الاشتراكيين الثوريين) يحلم ويجاهر علنا بالعمل من أجل انقسام الجيش المصري كضرورة لاصلاحه  
.و العمل علي أسقاط الدولة بكافة أجهزتها كضرورة لا غني عنها لتحقيق الديموقراطية والعدالة الاجتماعية

في هذه اللحظة يزداد التنافر بين عموم المصريين ومجتمع النشطاء... فعموم المصريين يتقابلون في المقاهي والمواصلات ليشكون سوء الحال وغلاء المعيشة والبطالة والقلق المستمر من العمليات الإرهابية التي أصبحت واقعا يوميا في مصر لأول مرة في حياتهم. ويتقابل النشطاء في الفضاء الإلكتروني الواسع عبر شبكات التواصل في أحيان ليست بقليلة لينعتوا المصريين أنهم تنازلوا عن حلم 
.الثورة وأنهم تحولوا الي مغيبين وأنهم عبيد للعسكر

عذرا يا رفاقي ولكن التعالي على المصريين وادعاء أننا نفهم المشهد وهم لا يدركونه بالمرة هو من أسقط الأخوان بالدرجة الأولي. فكيف ندعي أننا ندافع عن الفقراء ونحن نتجاهل أولوياتهم وأصواتهم. أولويات المصريين واضحة لمن يريد ان يفهمها هم يريدون استعادة الدولة الوطنية والتخلص من كابوس الأرهاب الأسود الذي سمم حياتهم. هم يريدون أن يمشوا في شوارعهم أمنيين. هم يريدون ان تعود السياحة التي بدونها لن يقوم للاقتصاد قائمة، يريدون أن يعود الاستثمار كي نخرج من الواقع الاقتصادي المرير الذي نعيشه
بالبلدي كده عايزين يأكلوا عيش لأن حالهم وقف بسبب الثورة ورافضين أن مصر تعيش في ثورة الي الأبد.

هم يروون أن علاء عبد الفتاح مشاغبا وليس مناضلا، يسمعون أنه يسب الجيش والشرطة ويتمني انكسار الجيش في لحظة يحتمون فيها هم بجيشهم. هم يروون الدعوة للاحتفال بذكري محمد محمود عن طريق التظاهر التي حدثت منذ أسابيع دعوة عبثية مع تقديرهم الشديد للشهداء الذين سقطوا في محمد محمود وأن هذه الدعوة والتظاهر لم يستفد منهم سواء الأخوان، و أنه يجب السعي من أجل تحقيق العدالة في هذا الشأن بطريقة أخري غير التصادم مع الشرطة و أسقاط شهداء جدد.

هم يقبلون بدستور الي حد ما توافقي يعبر عن أطياف مختلفة بينما يري الراديكاليين -وهذا حقهم بالطبع-أن أي تنازل ولو نسبي عن تحقيق مطالب الثورة كاملة هو سبب كافي لرفض الدستور بغض النظر عن النتائج وبدون تقديم خريطة بديلة لخارطة الطريق.
وهذه هي أهم مشاكل التيار الراديكالي أنه يكتفي بالنقد ولا يقدم بدائل واشقعية وعملية للتعامل مع واقع صعب ومشهد في قمة التعقيد. فبالرغم من أهيمة التذكير المستمرة بالمعايير المثالية التي يتمناها الفريقين سويا لمصر ، الا ان التحدي الأصعب و الأنجاز الحقيقي ليس هو رفض الواقع لأنه لا يرتقي الي المعايير المطلوبة و لكنه في أيجاد طريقة لتحقيق هذه الأهداف بمعايير أعلي.

ففي ظني ان الفريقين لا يرون الدستور يحقق أحلام الثورة فبينما يراه الفريق الواقعي خطوة على الطريق يراه الفريق الراديكالي مرفوض بالمرة ويجب أسقاطه أو عدم المشاركة في الاستفتاء و لكن لا أحد منهم يناقش مخاطر فشل خارطة الطريق او يضع خريطة طريق واقعية تجعل الثورة تحقق أهدافها كاملة و هو ما يعني انهزام مؤسسات الدولة القديمة و التيار الديني بالكامل.
أن الصعوبة ليست في وضع المعايير العالية فمصر أصبح فيها الاف المحللين السياسيين. أن الصعوبة الحقيقية هي أن مصر لا يوجد به عدد كاف من السياسيين القادرين على تحقيق ما يطلبه المحللين. الصعوبة ليست في تحليل المشهد ولكن الصعوبة الحقيقية في أصلاح الوضع.

ومع ذلك فأن مخاوف وهموم الفريق المثالي مشروعة جدا ولا يجب التعامل معها باستخفاف أو تعالي. فبعد عقود من الاستبداد وبعد أن ضحي المئات بأرواحهم لاقتناص الحقوق يصبح التراجع عنها أو عن جزء منها حتى ولو لفترة مؤقتة شيء مرعب ومفزع. وبالرغم من أن الفريق المثالي أحيانا ما يزيد المشهد تعقيدا بأصراره علي التمسك بالمعايير الأعلى، الا أنه يجبر السياسيين ومن يتبنون الواقعية ان يقدموا الحد الأدنى من التنازلات في أي 
مفاوضات ويضع عليهم ضغطا مستمر كيلا يتهاونوا في الحلم و هم يتعاملوا مع الواقع.

أما الفريق الواقعي من معسكر الثورة والذي أظنني أنتمي اليه... يري أن دستور 2013 ليس نهاية النضال ... فأنا شخصيا -على سبيل المثال لا الحصر-أري مدي قبح مادة المحاكمات العسكرية ولكنني أري أن النضال لم ولن يتوقف لمنع المحاكمات العسكرية للمدنيين بمرور الدستور. أري أنه من المحزن بشدة أن يتم أدراج مادة مثل هذه بعد ثورتين ولكنني أدرك بوضوح أن هذا الدستور لا يعبر عن الثورة بقدر ما هو يعبر عن تحالف 30 يونيو والذي يشمل الجيش والثورة والعلمانيين والسلفيين والأزهر والكنيسة وقوي أخري مجتمعية ...

 هذا التحالف هو تحالف بين قوي متصارعة وليس تحالف بين قوي متجانسة ولذا كتابة دستور يجمع كل هذا القوي المتصارعة أحيانا والمتنافرة والمتناقضة أحيانا أخري لن ينتج عنه أبدا دستور يحقق ليبرالية كاملة أو سلفية كاملة أو دولة مدنية واضحة أو دولة عسكرية، بل سيخلق كيان توافقي عجيب. يحمل في طياته بعض ملامح الديموقراطية مع نزعة سلطوية للجيش علي الدولة وعلي المواطنين. سيحمل مبادئ للمساواة الكاملة وسيحمل أيضا مواد ترضي السلفيين فيما يخص الشريعة والهوية الأسلامية تتعارض مع مواد المساواة.

هذا دستور يعبر عن توافق أطراف متصارعة ومتناقضة وليس أطراف متجانسة ... هو دستور أشبه بمعاهدة سلام بعد حرب بين أطراف متنازعة.... هو دستور هدفه الرئيسي الوصول الي درجة من درجات التوافق تمنع انهيار الدولة وتفكك المجتمع ... بأختصار هو دستور يهدف الي حماية مصر من حرب أهلية.

لا أنسي أبدا أنني اشتركت مع أصدقاء كثيرين أحترمهم وأقدرهم في محاولة لكتابة دستور موازي وبعد الجلسة الأولي انسحبت لأدراكي أنه مشروع مثالي جدا ولن يؤخذ بجدية ممن يديرون أطراف الصراع داخل مصر. ولن أنسي أن أحد المشاركين قال لي كلمة صدمتني بشدة: قال لي "يا ماهر الناس اللي قاعدة هنا عايزة مصر تدخل في حرب أهلية" و أظنه كان يسخر وهو يحاول ان يقنعني ان التوافق لن يؤدي بنا الي الديموقراطية الحقيقية ولكن الحل الوحيد هو الأصرار علي المعايير المثالية والذي بدوره سيؤدي الي تأجج الصراع بين القوي الديموقراطية والقوي التقليدية سواء الإسلاميين أو مناصري الدولة الأمنية الي درجة الحرب الأهلية لحسم الصراع. 
وربما من صدمتي لم أستطع الرد عليه وقتها أو ربما أثرت الصمت من شدة استهجاني للفكرة. لكنني أريد ان أقول له: أنظر الي سوريا ولبنان والعراق والصومال والسودان وكل هذه الدول التي تطور فيها الصراع المسلح الي درجات أعلي بكثير جدا مما يحدث في مصر الأن وكلمني عن الديموقراطية وحقوق الأنسان! بل كلمني عن الفقراء الذين تنادي بحقوقهم يا صديقي .... الواقع ان حياتهم البائسة في الأغلب ستتحول الي الأسوء بمراحل هذا أن ظلوا أحياء أصلا!

أن الصراع الفكري الدائر بين فريق ثوري راديكالي وفريق اخر يحاول ان يدير الأزمة بشيء من الواقعية هو صراع يعبر عن مناهج تفكير مختلفة أكثر ما هو خلاف سياسي ... هو صراع بين صديقين لديهما حلم مشترك ويريدون الوصول الي نفس النقطة بالضبط ... الأول يري أنه ينبغي أن يصل اليوم وفورا والا فنحن فشلة والأخر يري عقبات شديدة يحاول التحايل عليها والصراع معها والقبول بمساومات مرحلية كنقطة انطلاق لصراع سيمتد الي سنوات أو ربما عقود للوصول الي نفس النقطة. أنه الخلاف بين الثائر في الميدان وبين السياسي المؤمن بالثورة. أنه الخلاف بين الحلم بكل جماله ورومانسيته ونقاؤه وبين الواقع بكل قبحه وترديه وتعقيداته وبعده عن المثال!