عن صراع الواقعية والمثالية حيال الأزمة
المصرية
أنقسم معسكر
الثوريين والتنويرين والمفكرين بعد 30 يونيو الي فريقين. فريق يري نفسه ينتصر
للمبادئ وللثورة ويلقي بعاتق التعامل مع الواقع علي الفريق الأخر بينما يتفرغ هو
لرفع سقف المطالب والتأكيد على الحاجة الي الحلول الراديكالية وعدم قبول أي
مساومات من أي درجة. والأخر يحاول أن يتمسك بحلم الثورة بأصرار وعند لا يتغافل عن مدي تعقيد اللحظة الراهنة ومدي خطورتها.
وبهدف تبسيط
الفكرة فقط سأطلق على الفريقين في هذا المقال الراديكالي والواقعي. يري الفريق
الراديكالي أن أي مساومات هي موت لحلم الثورة وتنازل عنها. بل وأحيانا ما يصف بعض
أعضاء الفريق الراديكالي الفريق الواقعي بأنه خان الثورة بل وتمتد الاتهامات الي ما هو أصعب من حيث الموالاة للحكم العسكري (لحس البيادة) والانتماء الخفي الي نظام مبارك.
بينما يري
الفريق الواقعي أن الراديكاليين يتجاهلون النظر الي الصورة ككل ويتجاهلون الأخطار
الغير مسبوقة التي تمر بها الدولة المصرية و المجتمع المصري. ويتناسون حجم الضغوط
الاقتصادية علي الدولة وعلي المواطنين وبالأخص ملايين الفقراء الذين ملوا تماما من
برامج التوك شو التي تناقش رفاهيات بالنسبة إليهم. يري أيضا الفريق الواقعي أن
التفاوض وقبول المساومات شيء لا مفر منه للخروج من الأزمة الراهنة وأنه الشيء
الوحيد الذي يحول دون تفكك الدولة المصرية وربما اندلاع حرب أهلية تقضي علي الأخضر
واليابس وكل مظاهر الحياة والتقدم. وحيث أن الفريقين في الأصل هم من نادوا
بالتغيير و تشاركوا الحلم من منذ سنوات كان فيها التظاهر ولو بأعداد لا تتجاوز
الخمسين امرا شبه معجزيا. وحيث أن الفريقين في الأصل هم من معسكر واحد لذا وجب
محاولة
.تقريب وجهات النظر لأن انقسام جبهة الثوار سيضر بالثورة قبل أي
شيء أخر
ففي لحظة
يصطف المجتمع كله ليواجه كل يوم عمليات إرهابية تحصد من أرواح أبنائه سواء من
الجيش أو الشرطة أو المواطنين العزل او حتى من الأطفال يصرخ الفريق
الأول أن الأولوية ينبغي أن تظل دائما محاربة تسلط الدولة بل ان الأكثر تطرفا داخل
هذا المعسكر (اقصد الاشتراكيين الثوريين) يحلم ويجاهر علنا بالعمل من أجل انقسام الجيش المصري كضرورة
لاصلاحه
.و العمل علي أسقاط الدولة بكافة أجهزتها كضرورة لا غني
عنها لتحقيق الديموقراطية والعدالة الاجتماعية
في هذه
اللحظة يزداد التنافر بين عموم المصريين ومجتمع النشطاء... فعموم المصريين
يتقابلون في المقاهي والمواصلات ليشكون سوء الحال وغلاء المعيشة والبطالة والقلق
المستمر من العمليات الإرهابية التي أصبحت
واقعا يوميا في مصر لأول مرة في حياتهم. ويتقابل النشطاء في الفضاء الإلكتروني
الواسع عبر شبكات التواصل في أحيان ليست بقليلة لينعتوا المصريين أنهم تنازلوا عن
حلم
.الثورة وأنهم تحولوا الي مغيبين وأنهم عبيد للعسكر
عذرا يا
رفاقي ولكن التعالي على المصريين وادعاء أننا نفهم المشهد وهم لا يدركونه بالمرة
هو من أسقط الأخوان بالدرجة الأولي. فكيف ندعي أننا ندافع عن الفقراء ونحن نتجاهل
أولوياتهم وأصواتهم. أولويات المصريين واضحة لمن يريد ان يفهمها هم يريدون استعادة
الدولة الوطنية والتخلص من كابوس الأرهاب الأسود الذي سمم حياتهم. هم يريدون أن
يمشوا في شوارعهم أمنيين. هم يريدون ان تعود السياحة التي بدونها لن يقوم للاقتصاد
قائمة، يريدون أن يعود الاستثمار كي نخرج من الواقع الاقتصادي المرير الذي نعيشه.
بالبلدي كده عايزين يأكلوا عيش لأن
حالهم وقف بسبب الثورة ورافضين أن مصر تعيش في ثورة الي الأبد.
هم يروون أن
علاء عبد الفتاح مشاغبا وليس مناضلا، يسمعون أنه يسب الجيش والشرطة ويتمني انكسار
الجيش في لحظة يحتمون فيها هم بجيشهم. هم يروون الدعوة للاحتفال بذكري محمد محمود
عن طريق التظاهر التي حدثت منذ أسابيع دعوة عبثية مع تقديرهم الشديد للشهداء الذين
سقطوا في محمد محمود وأن هذه الدعوة والتظاهر لم يستفد منهم سواء الأخوان، و أنه
يجب السعي من أجل تحقيق العدالة في هذا الشأن بطريقة أخري غير التصادم مع الشرطة و
أسقاط شهداء جدد.
هم يقبلون
بدستور الي حد ما توافقي يعبر عن أطياف مختلفة بينما يري الراديكاليين -وهذا حقهم
بالطبع-أن أي تنازل ولو نسبي عن تحقيق مطالب الثورة كاملة هو سبب كافي لرفض
الدستور بغض النظر عن النتائج وبدون تقديم خريطة بديلة لخارطة الطريق.
وهذه هي أهم
مشاكل التيار الراديكالي أنه يكتفي بالنقد ولا يقدم بدائل واشقعية وعملية للتعامل
مع واقع صعب ومشهد في قمة التعقيد. فبالرغم من أهيمة التذكير المستمرة بالمعايير
المثالية التي يتمناها الفريقين سويا لمصر ، الا ان التحدي الأصعب و الأنجاز
الحقيقي ليس هو رفض الواقع لأنه لا يرتقي الي المعايير المطلوبة و لكنه في أيجاد
طريقة لتحقيق هذه الأهداف بمعايير أعلي.
ففي ظني ان
الفريقين لا يرون الدستور يحقق أحلام الثورة فبينما يراه الفريق الواقعي خطوة على
الطريق يراه الفريق الراديكالي مرفوض بالمرة ويجب أسقاطه أو عدم المشاركة في
الاستفتاء و لكن لا أحد منهم يناقش مخاطر فشل خارطة الطريق او يضع خريطة طريق
واقعية تجعل الثورة تحقق أهدافها كاملة و هو ما يعني انهزام مؤسسات الدولة القديمة
و التيار الديني بالكامل.
أن الصعوبة
ليست في وضع المعايير العالية فمصر أصبح فيها الاف المحللين السياسيين. أن الصعوبة
الحقيقية هي أن مصر لا يوجد به عدد كاف من السياسيين القادرين على تحقيق ما يطلبه
المحللين. الصعوبة ليست في تحليل المشهد ولكن الصعوبة الحقيقية في أصلاح الوضع.
ومع ذلك فأن
مخاوف وهموم الفريق المثالي مشروعة جدا ولا يجب التعامل معها باستخفاف أو تعالي.
فبعد عقود من الاستبداد وبعد أن ضحي المئات بأرواحهم لاقتناص الحقوق يصبح التراجع
عنها أو عن جزء منها حتى ولو لفترة مؤقتة شيء مرعب ومفزع. وبالرغم من أن الفريق
المثالي أحيانا ما يزيد المشهد تعقيدا بأصراره علي التمسك بالمعايير الأعلى، الا أنه
يجبر السياسيين ومن يتبنون الواقعية ان يقدموا الحد الأدنى من التنازلات في أي
مفاوضات ويضع عليهم ضغطا مستمر
كيلا يتهاونوا في الحلم و هم يتعاملوا مع الواقع.
أما الفريق
الواقعي من معسكر الثورة والذي أظنني أنتمي اليه... يري أن دستور 2013 ليس نهاية
النضال ... فأنا شخصيا -على سبيل المثال لا الحصر-أري مدي قبح مادة المحاكمات
العسكرية ولكنني أري أن النضال لم ولن يتوقف لمنع المحاكمات العسكرية للمدنيين
بمرور الدستور. أري أنه من المحزن بشدة أن يتم أدراج مادة مثل هذه بعد ثورتين
ولكنني أدرك بوضوح أن هذا الدستور لا يعبر عن الثورة بقدر ما هو يعبر عن تحالف 30
يونيو والذي يشمل الجيش والثورة والعلمانيين والسلفيين والأزهر والكنيسة وقوي أخري
مجتمعية
...
هذا التحالف
هو تحالف بين قوي متصارعة وليس تحالف بين قوي متجانسة ولذا كتابة دستور يجمع كل
هذا القوي المتصارعة أحيانا والمتنافرة والمتناقضة أحيانا أخري لن ينتج عنه أبدا
دستور يحقق ليبرالية كاملة أو سلفية كاملة أو دولة مدنية واضحة أو دولة عسكرية، بل
سيخلق كيان توافقي عجيب. يحمل في طياته بعض ملامح الديموقراطية مع نزعة سلطوية
للجيش علي الدولة وعلي المواطنين. سيحمل مبادئ للمساواة الكاملة وسيحمل أيضا مواد
ترضي السلفيين فيما يخص الشريعة والهوية الأسلامية تتعارض مع مواد المساواة.
هذا دستور
يعبر عن توافق أطراف متصارعة ومتناقضة وليس أطراف متجانسة ... هو دستور أشبه
بمعاهدة سلام بعد حرب بين أطراف متنازعة.... هو دستور هدفه الرئيسي الوصول الي
درجة من درجات التوافق تمنع انهيار الدولة وتفكك المجتمع ... بأختصار هو دستور
يهدف الي حماية مصر من حرب أهلية.
لا أنسي
أبدا أنني اشتركت مع أصدقاء كثيرين أحترمهم وأقدرهم في محاولة لكتابة دستور موازي
وبعد الجلسة الأولي انسحبت لأدراكي أنه مشروع مثالي جدا ولن يؤخذ بجدية ممن يديرون
أطراف الصراع داخل مصر. ولن أنسي أن أحد المشاركين قال لي كلمة صدمتني بشدة: قال
لي "يا ماهر الناس اللي قاعدة هنا عايزة مصر تدخل في حرب أهلية" و أظنه
كان يسخر وهو يحاول ان يقنعني ان التوافق لن يؤدي بنا الي الديموقراطية الحقيقية
ولكن الحل الوحيد هو الأصرار علي المعايير المثالية والذي بدوره سيؤدي الي تأجج
الصراع بين القوي الديموقراطية والقوي التقليدية سواء الإسلاميين أو مناصري الدولة
الأمنية الي درجة الحرب الأهلية لحسم الصراع.
وربما من
صدمتي لم أستطع الرد عليه وقتها أو ربما أثرت الصمت من شدة استهجاني للفكرة. لكنني
أريد ان أقول له: أنظر الي سوريا ولبنان والعراق والصومال والسودان وكل هذه الدول
التي تطور فيها الصراع المسلح الي درجات أعلي بكثير جدا مما يحدث في مصر الأن
وكلمني عن الديموقراطية وحقوق الأنسان! بل كلمني عن الفقراء الذين تنادي بحقوقهم
يا صديقي .... الواقع ان حياتهم البائسة في الأغلب ستتحول الي الأسوء بمراحل هذا
أن ظلوا أحياء أصلا!
أن الصراع
الفكري الدائر بين فريق ثوري راديكالي وفريق اخر يحاول ان يدير الأزمة بشيء من
الواقعية هو صراع يعبر عن مناهج تفكير مختلفة أكثر ما هو خلاف سياسي ... هو صراع
بين صديقين لديهما حلم مشترك ويريدون الوصول الي نفس النقطة بالضبط ... الأول يري
أنه ينبغي أن يصل اليوم وفورا والا فنحن فشلة والأخر يري عقبات شديدة يحاول
التحايل عليها والصراع معها والقبول بمساومات مرحلية كنقطة انطلاق لصراع سيمتد الي
سنوات أو ربما عقود للوصول الي نفس النقطة. أنه الخلاف بين الثائر في الميدان وبين
السياسي المؤمن بالثورة. أنه الخلاف بين الحلم بكل جماله ورومانسيته ونقاؤه وبين
الواقع بكل قبحه وترديه وتعقيداته وبعده عن المثال!
No comments:
Post a Comment